د.مؤيد الحطاب - النجاح الإخباري - الوباء والامراض ليس جديدا على البشرية، وفي المحصلة إنتصرت وستنتصر الإنسانية على الوباء. لكن في ظل الخوف من المرض وشعور الإنسان بأن حياته على المحك، هل يعتبر التساؤل عن المستقبل ترفا فكري أم ضرورة ملحة؟

لا شك أن شكل العالم ما بعد مرحلة كورونا سيختلف عما كان قبله. فدول العالم الاولى، تقف الان على شفا حفرة من الانهيار الإقتصادي، والذي ستكون تبعاته أخطر بكثير من الإنهيار الصحي المواكب لوباء كورونا. سيترك هذا الوباء العالم وقد دخل في غرفة العناية المكثفة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تداعيات إقتصادية، وإجتماعية، وأمنية، وبالتالي سياسية. ربما ستغرق كثير من الدول، خصوصا الدول المتقدمة، في معالجة تلك الحالة المستعصية سنوات طويلة أو على الاقل بضع سنوات، وبالتالي ستنشغل تلك الدول عن العالم العربي إلى حد ربما بعيد.

من المؤكد أن الوقع الاقتصادي السلبي على الدول العربية سيكون ذا تاثير مباشر على الافراد والحكومات والمؤسسات فيها، وربما ستعاني وتعافر بعض الدول العربية أكثر من الاخرى، للخروج من تلك الازمة الخانقة. لذا من المهم أن نتساءل عن إستعدادنا لتلك المرحلة وهل سنتمكن من الانتباه لتلك المعطيات والاستفادة من الواقع الجديد؟ هل سنعمل على مراجعة موضوعية لأسباب التخلف، وبحث حقيقة أسباب التقدم، وكيفية الخروج من الازمة منتصرين، أو على الاقل بأقل الخسائر الممكنة؟ أم سنجلس في زاوية الإنتظار ومراقبة كيف سيتمكن غيرنا من الخروج عن مربع الواقع والانتصار عليه!؟

السؤال الاكثر عمقا والذي يحتاج من الشعوب العربية جرأة الإجابة عليه اليوم  قبل الغد هو، هل معركتنا نحن االعرب مع الوباء تتلخص في أن نثبت الواقع الديني لهذا المرض؟ هل جل همنا يقف عند تقرير إذا كان الوباء عقاب أم إبتلاء من الله، أو أن  يتمركز صراعنا حول إثبات أن الإسلام جاء بطرق الحجر والوقاية الصحية قبل الغرب، أو أن تعليمات الرسول بالحجر الصحي جاءت متقدمة وسابقة للغرب؟ هل وظيفتنا أن نستخدم الآيات القرآنية والاحاديث للتدليل على نظرياتنا الدينية وموروثاتنا الفكرية،  أو التسويق لعلاجات طبية باعتبارها وصفات نبوية؟ أو أن ندخل في مناقشة القسم الاخر من الجدل العربي الذي يعيش نظرية المؤامرة، وهل هذا الوباء حقيقي أم لا، وهل تم تصنيعه أو تحضيره، وفي أي دولة؟

هل ما سبق يعبر فعلا عن الافكار التي يجب مناقشتها حاليا، أم نحن بحاجة حقيقية الآن لنقد المنهج الفكري المسؤول عن تأخرنا، ومن ثم محاولة إلتقاط الكرة من ملعب الدول الغربية، ووضعها في مرمى التقدم والحضارة!؟

 إذا أردنا فعلا أن نتغلب على واقعنا المعاصر، والنهوض من غفلتنا الفكرية، وغفوتنا الحضارية، فنحن بحاجة أن نناقش كيف يمكن أن نتسفيد من مرحلة ما بعد كورونا وما سيشهده العالم، وخصوصا الدول المتقدمة، من إنهيارات وتخلخل في منظومتها الاقتصادية وربما الأمنية والاجتماعية. علينا تطوير أفكارنا ومناهجنا العلمية والبحثية، من أجل  الخروج من أسوار التبعية إلى نحو فضاء الكون الحر. علينا أن نستعد ونعمل على أن نصبح جزءا منتجا في دنيا البشرية، معتزين وفخورين بهويتنا الثقافية والوطنية، وعنصرا فاعلا في تقدم المنظومة الإنسانية والكونية.

لكن من المهم، بل الأهم، ان تكون جميع دراساتنا وابحاثنا في نقد الحاضر وبناء المستقبل منبثقة عن تمسكنا بأرفع ما توصلت له الإنسانية من الأخلاق السامية، بحيث يسبق ذلك تخلينا عن الدوافع التاريخية والفكرية التي تزرع شهوة السيطرة والاستعباد وعودة سوق النخاسة. يجب أن تكون أهدافنا في البحث والتقدم تهدف للوصول بنا إلى مقدمة الحضارة الإنسانية من أجل أن نضيف إليها، ولا نبقى عالة عليها.