النجاح الإخباري - د. مؤيد كمال الحطاب - لم يكن خطاب الرئيس ابو مازن يوم الاثنين الماضي خطابا إعتياديا، حيث أبرز خطابه رسالتين خطيرتين؛ الاولى تعلقت بمستدعيات سير القضة الفلسطينة، اثر اعلانه ان حركة حماس هي من تقف خلف محاولة إغتيال موكب رئيس الوزراء في غزة، مما جعل كثير من المراقبين والمحللين يعتبر أن حركة حماس بمكتبها السياسي هي فعليا من قامت بذلك.  إلا انني اعتقد ان رسالة الرئيس إنما أرادت تحميل حماس المسؤولية السياسية والوطنية لما حدث، لان من يملك الولاية يتحمل الديّة، او بلغة القانون تاكيد "مسؤولية المتبوع عن اعمال التابع"، كونها ما تزال تسيطر على جميع المرافق (الادراية، والسياسية، والقانونية، والمالية، والامنية) عن القطاع.  

لاشك ان ما توفر لدى الرئيس من معلومات يفيد ان من يقف خلف هذا العمل الاجرامي، هم اطراف خارجة عن الصف الوطني، والتي هالها وجود دلائل عملية على امكانية تحقيق المصالحة، خصوصا ان زيارة رئيس الوزراء الاخيرة لغزة قد حملت في طياتها تكريس حقيقي لامكانيات الحكومة في تحسين اوضاع غزة ورفع  معانتهم الحياتية على كافة الاصعدة، فارادت ان تنسف ما تم تحقيقه وان تقتل اي امل بتحقيق وحدة حقيقية.

وسواء كان هدف تلك الافراد المارقة تحقيق مصالحهم الشخصية، او شبه الفئويّة، او تمرير خطة الاحتلال بعزل الضفة تماما عن غزة حتى تتمكن دولة الاحتلال ومن خلفها امريكيا بابتلاع الضفة الغربية لصالح دولة الاحتلال، مقابل اعطاء الفلسطينيين شبه دولة بغزة تكون معزولة جغرفيا وسياسيا ووطنيا عن الضفة، فانها تتحد في هدف قتل الحلم الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة. وهذا ما عبر عنه الرئيس في خطابه حين المح الى الضرورات الوطنية والمصلحة القومية، واكده في رسالته الثانية الى ادراة ترامب عبر سفيرها الامريكي، حين قال ان الارض للفلسطينين وحدهم، وان اي ادارة تريد تمرير صفقة ابتلاع الضفة والقدس، وفصل غزة عن الدولة الفلسطينة هي ادارة "ابن كلب" ومرفوضة فلسطينيا.

هذا التحدي الصريح للادارة الامريكية من قبل الرئيس وما سبقها من قطع واضح للتعامل معها رسميا، يعكس مدى صلابة الموقف الفلسطيني وحقيقة ما يتعرض له من تحديات. لكن ما يقابله من مرور اكثر من ستة اشهر على اعلان السير نحو المصالحة، والتي كان من المفروض ان تتم بشكل فاعل وجدي منذ شهر كان الاول من العام الماضي، بل واختفاء اصوات الضغط في حركة حماس والتي سمعنها في بداية المصالحة تقول انها ستكسر "عنق كل من لا يريد المصالحة"، ومن ثم عدم تمكين الحكومة من الادارة الحقيقية لوزراتها، جعل الرئيس يخرج بخطاب شديد اللهجة، لكي يضع الجميع امام خيارين لا ثالث لهما: اما تغليب المصلحة الوطنية بضم القطاع فعليا الى شرعية الوطن، او تغليب المصلحة غير الوطنية بابقاء الانقسام وبالتالي تمرير اهداف الاحتلال بالاستيلاء على القدس والضفة، واغراق الوطن بما لا يمكن تحمله.  

ان كلمة الرئيس يوم الخميس، والذي جاء على هامش استقبال نظيره البلغاري، تؤكد ان الرئيس ما زال يصر على تحقيق الوحدة ولكن بشكل واقعي وشامل، والا ستتحمل حماس تبعات انهيار المصالحة؛ وكذا خطاب دولة رئيس الوزراء في مؤتمر النيابة العامة الثامن في نفس اليوم، والذي قال فيه " لن نتخلى عن أهلنا في قطاع غزة ولا عن واجباتنا ومسؤولياتنا في إنقاذ القطاع من الكارثة الإنسانية التي تتهدده"، يدل على ان باب المصالحة لم يغلق بعد، وان هناك فرصة او نداء اخير للجميع بضروة اللحاق بمركب الوطن قبل فوات الاوان. ولاشك ان هناك تيار وطني ومسؤول داخل حركة حماس ممن يعي جيدا خطورة استمرار الانقسام وما يرتبه اصحاب القرون من صفقات، ومُطّلعة على ما يتعرض له الرئيس شخصيا من ضغط غير مسبوق ليتنازل عن الثوابت الوطنية. وهذا التيار لا يمكن ان يقف دوره عند تصريح داعم لموقف الرئيس في تحديه للمؤامرة الفعلية على القضية الفلسطينية، بل يقع على عاتقه مسؤولية صد جميع التيارات المعارضة للوحده او الهادفه الى نسف جهود الحكومة في ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي لمواجهة ما تمر به القضية من تحديات.

 

امام جميع ما سبق من عقبات فان الواجب الوطني يتطلب الان من جميع الاطراف تجاوز اي اخطاء سابقة، وتقديم المصلحة الوطنية والصالح العام على اي حسابات اخرى. وعليه فانه بات ملحا ان يتم عقد المجلس الوطني بحضور جميع الاحزاب السياسية، والاطياف الوطنية والمجتمعية، واعادة مكانة منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد لفلسطين التاريخية وشعبها اينما وجد.

على الرئيس ان يؤكد دعوته مرة اخرى لجميع الاطراف للجلوس تحت قبة المجلس الوطني، ومن الضروي ان يبادر الجميع بسرعة اعلان قبول الدعوة، والالتفاف حول الية مواجهة قرون الصفقة الموجهة ضد القضية الفلسطينة. كما ان على حركة حماس، اذا كانت معنية فعلا بتحقيق الوحدة والسير نحو تحقيق الدولة الوطنية، ان تبادر فورا بتسليم حكومة الوفاق كامل المؤسسات، حتى تتمكن فلسطين تحت مظلة منظمة التحرير من مواجهة جميع التحديات المفروضة من دولة الاحتلال والادارة الامريكية، وحتى تتمكن الحكومة من رفع المعانة المتفاقمة التي يعيشها شعبنا في غزة والممتدة عبر سنوات الانقسام والحصار.

* كاتب وباحث فلسطيني، محاضر في كلية القانون