النجاح الإخباري - مارلين أبو عون - ليلة ليست غريبة على قطاع غزة، كون الغزيين اعتادوها بظلمتها وقسوتها وحرارة صواريخها التي تنزل مثل المطر من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلية دون أن تفرق بين الشجر والحجر والبشر.

الحكاية في غزة ليست متشابهة مع كل حكايات العالم، فغزة يخرج منها الشهداء والجرحى بشكل مستمر، شهداء أشلاء لهم حكايات وروايات مؤلمة مع المقربين منهم.

الليلة الماضية غزة كان لها نصيب مع الصواريخ من شمالها وحتى جنوبها، فبات المواطنون قلقون يترقبون في كل لحظة الصاروخ التالي أين سيقع وعلى من ومن هم الضحايا الجدد، فيتشبثون بأطفالهم ليحموهم من صوت مدوي من الصواريخ المنهمرة التي أدخلت الرعب والخوف على قلوبهم الصغيرة.

"كوني بقربي دائما ، خففي  ضجيج الحياة بصوتك"

لم تكن تعلم إيناس والدة الطفلة بيان أبو خماش بانها تودع ابنتها قبل أشهر قليلة فكتبت لها عبر حسابها على صفحة الفيس بوك " كوني بقربي دائما وخففي من ضجيج الحياة بصوتك، أخبريني بأنه لا شيء سيء وأنت بالقرب مني "

"إيناس" تمنت أن تكون بالقرب من ابنتها دائما فتحقق حلمها ورافقتها في الدنيا والاخرة شهيدتان مع اخاها الذي لم يرى النور بعد وهو في بطن أمه.

الطفلة بيان أبو خماش التي هربت من أصوات الصواريخ إلى حضن والدتها علها تحميها لكنها لم تكن تدري أن تلك الصواريخ السوداء كانت لها ولوالدتها بالمرصاد فباغتتهم واخترقت جدران منزلهم وبعثرت ومزقت جثمان الام والطفلة ذات العام والنصف وهي لم تشاهد من هذه الحياة سوى ألعابها وأصوات حرب يقرع طبولها الاحتلال متى أراد وكيفما شاء ...لا يفرق بين أحد.

"قولي لهم ان يسكتوا قليلا لأني خائف"

وعن كمية الخوف وحالات الهلع التي تركتها صواريخ الاحتلال في نفسية الأطفال التقينا بالسيدة أماني الرن التي روت لنا ليلة القصف كيف مرت عليها وعلى أطفالها الثلاثة محمد 4 أعوام وخالد عامين وآية لم تكمل الشهور الثمانية بعد.

تقول:" لم أنم طوال الليل وأنا احتضن ابنائي الصغار الذين لم يسكتوا لحظة وهم يبكون ويتشبثون بملابسي وان اردت ان اقوم من جانبهم لقضاء حاجة ما لا يقبلون ويطلبوا مني أن أبقى بقربهم أو يأتوا هم معي، وعلى هذا الحال كلما يسمعوا صوت صاروخ يصرخون وابني محمد يقول لي "قولي لهم أن يسكتوا قليلا لأني خائف وأريد أن أذهب للحمام"، وأنا لا أملك سوى أن أضمهم لحضني كلما سمعوا صوت صاروخ قريب فتزلزل المنزل".

وأشارت أماني أنها منذ سنة وهي تعاني وتذهب بمحمد لمراكز التأهيل النفسي وتستعين بالمختصين لرعاية ابنها بعد أن ظهرت عليه علامات قلق وخوف مرتبطة بالأحداث الجارية بغزة، تشمل الخوف من الأصوات العالية المفاجئة والطائرات، وكوابيس متكررة حول الصراع، والتبول اللاإرادي، وكلما أصبح يتماثل للشفاء يعود لينتكس من جديد مع اصوات صواريخ متكررة وخصوصا بالليل".

والمعتدي يتبجح ويخرج ليقول بانه يرد على قذائف وصواريخ المقاومة في غزة والتي أسقطت عدد من الاصابات معظمها مصابة بحالات هلع وخوف، وماذا عن الأطفال والشيوخ في قطاع غزة ألم يصابوا بالهلع والخوف؟ وليس هذا فقط بل يسقط منهم الشهداء والجرحى، وبالعشرات.

لا نعتمد على الادوية في علاج الاطفال نفسيا

وباتصال هاتفي مع الدكتور عادل عودة الأخصائي النفسي سألناه عن الآثار النفسية المترتبة على عمليات القصف المتكرر لدى الأطفال وخصوصا وقت القصف الليلي قال:" تظهر عادة مع الأطفال صدمة نفسية حادة وهو ما نسميه بالاضطراب السلوكي الذي يشمل التبول اللاإرادي، الصراخ/بكاء غير عادي، وإظهار سلوك عدائي، خصوصا بين الذكور، مص الاصابع والانطواء عن الاخرين وغيرها من السلوكيات السلبية.

وتابع بالعادة لا يتم علاج الاطفال بالأدوية مثل الكبار ولكننا نعتمد على دعم الاطفال من خلال اللعب والنشاطات المتنوعة والتكلم معه من خلال جعله يتحدث عن شعوره بكل المناسبات دون قيود.

ووجه عودة رسالته للأهل وطالبهم بتوفير اجواء من الراحة والطمأنينة قدر المستطاع لأبنائهم وفي وقت الاحداث والقصف ابعاد الاطفال عن الاماكن القريبة من القصف ومحاولة تهدئتهم ".

ولفت عودة الى ان كثير من الاهل للأسف يجهلون كيفية التعامل مع اطفالهم مثلا إذا أصبح ابنهم يتبول لا اراديا او عدوانيا مع الاخرين يقومون بمعاقبته وضربه، وهذا ما يزيد ويفاقم المشكلة عندهم ويصبحون أكثر خوفا ورعبا وانطوائية عن أي شيء.

وحسب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1990، فعلى الدول أن تأخذ بالاعتبار أن الطفل يحتاج إلى إجراءات وقاية ورعاية خاصة، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة، مع ضرورة حماية النساء والأطفال أثناء الطوارئ والمنازعات المسلحة، وهو ما لا تكترث إليه دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتضع أكثر من نصف مليون طفل فلسطيني تحت الخوف وفي مرمى الحمم الصاروخية.