النجاح الإخباري - مدى شلبك - عدسة هنا وجوال هناك كاميرا ومايكروفون متناثرة ومتواجدة مع كل حدث لاصطياد اللقطات والفيديوهات المؤثرة خاصة وأن مواقع الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي فاقت المئات فلسطينياً.

وبين التزام بمعاير وأخلاق المهنة الصحافية وتجاوزات تتفاوت بين بعض العاملين في هذا الحقل وآخرين اعتبروا أنفسهم في هذا المجال لجمع وحشد أكبر عدد من اللايكات.

ربما يكون الأمر عاديًا في مواقف وأحداث متعددة، ولكن مع صرخة أو صمت أودمعة أم  أو زوجة فإن الحكاية هنا تختلف وكذلك الحال مع صور الأجساد والشهداء والجرحى والمصابين بالأحداث الميدانية أو حوادث سير.

وفي ظل التعقيدات التي يعيشها الفلسطينيون تحت انتهاكات الاحتلال فإن الأمور معقدة جدا فبين مؤيد لنشر هذه الانتهاكات وبين معارض هناك شعرة كحد السيف.

وبحسب مختصين ومحاضرين وأكاديميين فالحكاية مختلف فحريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين حتى لو بدا ذلك سبيلا لفضح انتهاكات الاحتلال.

وبينما يسعى الصحفي أو السوشلجي للتميز في مهنته، ورغبته المتواصلة بالحصول على سبق صحفي، فإنه قد يقع بخطأ النسيان أو الخلط بين ما هو ممكن ومتاح وبين ما يمكن اعتباره تجاوزا للمسموح.

فقد ينسى البعض أن للآخرين خصوصيات وللمهنة أخلاقيات ولنفسه انفعالات إنسانية أهملها في ظل معترك العمل، فيتسابق الصحفيون من أجل الوصول لأمهات الشهداء أو زوجاتهم لالتقاط الصور الإنسانية المؤثرة فور إعلان استشهاد أبنائهن أو لإجراء مقابلات سريعة، مهملين بذلك البعد الإنساني والأخلاقي للحدث.

ومع انتشار أي فيديو أو مقطع لأي من الأمهات سواء أكانت صابرة ومحتسبة أم منفعلة فهي تمر بمرحلة ليست بالهينة على الإطلاق وفق ما عزاه خبراء نفسيون في مثل هذه الحالات.

فحالات الفقد صعبة جدا على الإنسان، فكيف هو حال الأم التي تعبت وربت وعانت كثيرة لتصل لمثل هذه المرحلة فمهما تمالكت نفسها فهي وضع حساس للغاية وهنا يجب أخذ الاعتبارات اللازمة.؟

أخلاقيات المهنة

بالرجوع إلى "مدونة السلوك المهني الإعلامي" الفلسطينية، وضمن بند "المبادئ العامة" يتوجب على الصحفي "البحث عن الحقائق وكل ما يهم الجمهور، ونشره دون إثارة أو تضخيم أو تهوين أو انحياز"، وهذا ما يقوم به الصحفيون في إطار الحصول على سبق صحفي عند إجراء مقابلات فورية مع أمهات الشهداء، في المقابل وضمن بند "الالتزامات تجاه الجمهور" على الصحفي "احترام الحياة الخاصة للمواطنين، بمن في ذلك الشخصيات الاعتبارية، باستثناء ما يتعلق بقضايا الرأي العام"، وهذا ما يتنافى مع الواقع حيث يقحم الصحفيون والسوشلجيون أهل الشهيد وأمه تحديدًا في مقابلات سريعة فور استشهاد نجلها.

عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين حسام عز الدين يرى أن الإعلام الفلسطيني والمحلي تحديدًا ينتهك خصوصيات أهالي الشهداء، فعند عودة جثمان الشهيد لأهله على سبيل المثال يعيش الأهل والأمهات حالة لا يدركها إلا هم، وإجراء حديث مع أمهات الشهداء حينها يتنافى مع أخلاقيات العمل الصحفي، وفقا لعز الدين.

وأكد عز الدين في حديث له مع "النجاح الإخباري"، أن إجابات أمهات الشهداء على الأسئلة التي تطرح عليهن فور استشهاد أبنائهن ستختلف لو طرحت عليهن بعد عشر أيام مثلا، مشيرًا إلى أن أهل الشهيد حينها يحتاجون للدعم والمساندة النفسية أكثر من حاجتهم لإجراء المقابلات للحصول على سبق صحفي يظهر الأم متماسكة وتزغرت لاستشهاد إبنها، بينما في الحقيقة ومن الطبيعي أن تبكي على فراقه.

 

المنطوق ليس بالضرورة المقصود

إلى ذلك فضلت الأخصائية النفسية رندة مقبول، خلال حديث لها مع "النجاح الإخباري"، إجراء مقابلات مع أمهات الشهداء بعد استشهاد الأبناء بفترة زمنية كافية، لأن أهالي الشهداء للوهلة الأولى يكونوا غير قادرين على الخوض في حديث، وإن تكلموا فإن ما يشعرون به ليس بالضرورة ما ينطقون به.

وأوضحت مقبول، أن الأمهات الفاقدات يعشن ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي الصدمة المباشرة فلا تصدق الأم نبأ استشهاد إبنها، المرحلة الثانية هي مرحلة المقاومة وتعيش الأم حالة من اللايقين، والمرحلة الأخيرة هي قبول الواقع، وأشارت إلى أن هذه المراحل لا تمر بلحظة بل تحتاج الأم إلى وقت كافٍ لتخطيها.

وذكرت مقبول أن أم الشهيد خلال مراسم العزاء والتأبين قد تبدو متمساكة أو قوية في عيون الأخرين، لكن بعد أن تنتهي المراسم ويعود كل إلى منزله تبدأ الأم بإدراك ما حدث، وتظهر عليها ردود فعل طبيعية كأن تلازم ضريح نجلها الشهيد، أو تصيبها نوبات صراخ متواصلة، أو نوبات انهيار.

انتقالاً إلى الحالة النفسية للصحفي، قالت مقبول: "الصحفي إنسان له مشاعر ممكن أن ينهار في لحظة وأن يتماسك في أخرى، وبسبب التمرس الطويل في مهنة الصحافة التي تعتبر مهنة قاسية يبدأ الصحفي بالتعود كما الجراح، لكن هذا لا يعني أنه مصاب بحالة من البرود أو اللامبالة، فظاهريًا قد يبدو متماسكًا لكن داخليًا يتأثر مثل الآخرين".

ولفتت مقبول إلى أن الصحفي معرض للإصابة بحالات نفسية مرضية ليس بالضرورة أن تظهر أعراضها بوضوح، فيبدو الصحفي عصبي أو مندفع بسبب الأحداث التي تمر عليه، لكن فرصته للتعبير عن مشاعره أقل من غيره.

وبين مؤيد ومعارض لالتقاط هذه المقاطع وعكس الواقع والحالي للأم حين تلقيها نبأ استشهاد أو فقد ابنها فقد رصد النجاح الإخباري العديد من المواقف الرافضة اطلاقا لمثل هذه اللقاءات وبين مواقف أخرى رأت أن نشر هذه الفيديوهات وأحوال الأمهات ربما يحمل طابعا مؤثرا في ضمير عالم لم يخرج من الإنعاش إن عاش.