نابلس - عيسى قراقع - النجاح الإخباري - المؤامرة الأمريكية-الأسرائيلية التي أعلن عنها يوم 28/1/2020 تحت ما يسمى صفقة القرن لا تستهدف فقط الارض والتاريخ والجغرافيا والهوية الوطنية الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وانما ايضا تضمنت استهدافا واضحاً للمكانة القانونية والأنسانية والنضالية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال وذلك بالتعاطي معهم كمجرمين وارهابيين وقتلة ومجرد ارقام هامشية وملفات مجزأة تخضع للمساومة والابتزاز وكأنهم اشياء لا قيمة انسانية لها.

 

صفقة القرن بكل ما حملته من مخطط تصفوي للقضية الفلسطينية، وبكل ما فيها من انتهاك فظيع للقوانين الدولية والانسانية وتجسيد واضح لدولة الاحتلال العنصرية الابرتهايد فأنها تستهدف بشكل جوهري الانسان المناضل بتجريم نضالات الاسرى والشهداء والجرحى واخضاعهم لاشتراطات ومعايير عدائية وانتقامية ووصمهم بالقتلة والأيادي الملطخة بالدم والمساس بشرعية نضالهم المشروع ومقاومتهم للاحتلال.

 

ان صفقة القرن هي الناطقة باسم العقلية الاسرائيلية الفاشية وسياستها المعادية لحقوق الاسرى وللاتفاقيات الدولية، هي غطاء لجرائم الاحتلال المتواصلة وارهاب الدولة الرسمي بحق المعتقلين بالسجون.

 

اذا كانت الصفقة تريد اخفاء الشعب الفلسطيني في معازل والقضاء على ملامحهم وتطلعاتهم الوطنية، فأنها تريد اخفاء الاسرى من الحياة وقبرهم في السجون وزناين العزل، وهي بذلك تستهدف مشروع الحرية والعدالة الذي يمثله آلاف الأسرى والأسيرات القابعين في السجون.

 

تشكل صفقة القرن استكمالاً للسياسة الاسرائيلية التي برزت بشكل منهجي بعد اتفاقيات اوسلو عام 1993 في التعامل مع الأسرى من خلال املاءات وشروط ومحددات وتعهدات يخضع لها الأسرى الذين سيتم الأفراج عنهم في أي اتفاق او عملية سلام، هذه الاشتراطات التي ترتبط بتهمة الأسير ومكان سكنه وانتماءه التنظيمي، مما وضع الأسرى تحت رحمة الاشتراطات الأمنية الاسرائيلية وهذا ما حول عملية السلام المزعومة الى عملية قهر وعدوان لازال الأسرى يدفعون ثمنها الى الآن.

 

صفقة القرن هي تطبيق عملي للممارسات الاسرائيلية بحق الأسرى من اعتقالات جماعية واعتداءات يومية وممارسة التعذيب والتنكيل وحرمانهم من ابسط حقوقهم الانسانية والمعيشية والصحية، انها صفقة تبني سجناً آخر اكثر قسوة للشعب الفلسطيني وللأسرى في السجون، بل صفقة تزيد عدد الجدران والأبواب والأبراج المسلحة التي تطوق وتحكم شعبنا وأسرانا المناضلين.

 

صفقة القرن التي تنهب الارض وتفتتها وتحولها الى هيكل عظمي بلا لحم وبلا دم هي نفسها الصفقة التي تشن حرباً على حقوق الاسرى بهدف تحويلهم الى حطام في زمن السجن اللامتناهي في تلك المؤبدات خلف الظلمات البعيدة، واكثر من ذلك تعطي حافزا وتشجيعا للاحتلال على مواصلة جرائمه وانتهكاته بحقهم، اعتقالات ادارية، اهمال طبي، عزل انفرادي، قمع واعتداءات، تعذيب الاطفال والتنكيل بهم، هذه الصفقة اكثر من نكبة واكبر من حرب، انها السياج الحامي لاطول احتلال في التاربخ المعاصر ولاستعمار كولونيالي هو الاكثر طغيانا ووحشية في منطقة الشرق الاوسط.

 

صفقة القرن تبارك التشريعات العنصرية العدائية التي شرعها الاسرائيليون بحق الاسرى، التغذية القسرية بحق المضربين، استخدام التعذيب العنيف، هدم منازل الاسرى، احتجاز جثامين الشهداء الاسرى، عدم تقديم العلاج للمرضى، احتجاز اموال الشعب الفلسطيني بحجة اعانة عوائل الاسرى والشهداء والجرحى، اعتقال القاصرين، الاعتقال الاداراي التعسفي، الاحكام الجائرة والغرامات المالية الباهظة، وفي نفس الوقت هذه الصفقة تشكل الحامي للمجرمين والقتلة الاسرائيليين وللمستوطنين المتطرفين الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بحق ابناء شعبنا الفلسطيني، هي صفقة توزع النياشين على الجلادين الاسرائيليين والمجرمين اليهود.

 

يبدو ان الرئيس الامريكي ترامب لا يعرف من هو مروان البرغوثي ولا احمد سعادات ولا كريم يونس، لم يسمع عن اسرى حملوا زمن السجن فوق اكتافهم وظلوا مرفوعي الرؤوس لم يركعوا ولم يستسلموا للسجانين ولم يخضعوا يوما الى هيمنة المحتلين واساليب قمعهم الوحشية، الوطن في داخلهم ليس عقارا ولا صفقة انه حياة وقضية معا، كما قال محمود درويش،هو الشوق الى الموت من اجل ان تعيد الحق والارض، ليس الوطن ارضا، ولكنه الارض والحق معا.

 

الرئيس الامريكي ترامب لم يسمع ان الاسير وليد دقة قام بالرد على صفقته بعد عدة ايام فقط، انه رد اسطوري غير متوقع، فبعد 35 عاما في سجون الاحتلال ينجب وليد طفلته الجميلة ميلاد عن طريق تهريب النطف، ليقول وليد في رسالته: اذا كانت الصفقة تصنع الظلام لشعبي، فميلاد هي النور والحياة، واذا كانت الصفقة هدفها الاحباط واليأس وفرض الامر الواقع بالقوة، فميلاد هي الارادة والامل والمستقبل، ميلاد هي وطن الحرية القادمة، نبض الدم واللحم والنخاع والعمر المديد، واذا كان ترامب يقيس السلام بالاموال والصفقات التجارية ويقايض الحقوق السياسىة بالمشاريع الاقتصادية، فأننا نحن الأسرى نقيس السلام ما بين اجسادنا واحلامنا بكل ما فينا من ميلاد وارواح عنيدة.