النجاح الإخباري - راسم عبيدات - آثار البيان المشترك للجنة المتابعة العربية في الداخل الفلسطيني ولجنة القوى الوطنية والإسلامية في الضفة والقدس بإعلان الإضراب الشامل على طول وعرض مساحة فلسطين التاريخية يوم الإثنين الماضي 1/10/2018 حالة من الجدل في الشارع الفلسطيني بين التأييد لهذا الإضراب والرفض له. ومن خلال التصريحات والكتابات و"البوستات" على الصفحات الألكترونية ومواقع التواصل الإجتماعي كانت حالة الجدال الأبرز تظهر في مدينة القدس، حيث كان الرفض يتمحور حول الجدوى من هذا الإضراب في ظل عربدة ومسيرات المستوطنين الإستفزازية والإعتداء على المحلات التجارية في المصرارة والواد وتكسير العديد منها واصابة العديد من المواطنين، واقتحامات المسجد الأقصى، وبالتالي عملية تفريغ المدينة من الناس والمواطنين من شأنها ترك القدس فريسة للمستوطنين لكي يعيثوا فيها خراباً وفساداً.

وكان هذا المبرر الأقوى لرفض شمولية الإضراب لمدينة القدس، ولكن كل هذه الذرائع والحجج في رفض الإضراب وشموليته، أعتقد انها تفقد معناها وقيمتها على الرغم من وجاهيتها، فالإضراب الذي جري التوافق عليه لأول مرة على طول وعرض مساحة فلسطين التاريخية كان هدفه الواضح التصدي لأخطر مشروع وقانون عنصري صهيوني، يستهدف الوجود الفلسطيني بالشطب والإلغاء والتصفية والتطهير العرقي ألا وهو ما يسمى بقانون أساس القومية، قانون يريد أن يخرج شعبنا، خارج التاريخ والجغرافيا، خارج الحقوق والمستقبل.

هذا الإضراب الشامل والموحد والشامل لكل مساحة فلسطين التاريخية، والذي جسد حالة من التشابك بين فلسطيني الداخل والخارج في يوم وطني في حالة رمزية ترفع سقف الصمود والتحدي والتصدي للسياسات الإسرائيلية العنصرية المستهدفة شعبنا بالإقصاء والنفي والإلغاء الطرد والتطهير العرقي، وكذلك هذا الإضراب بالضرورة ان يرفع من منسوب الوعي الوطني الفلسطيني ويشكل رافعة وبروفات لأنشطة وفعاليات مشتركة مستقبلاً وأيضاً هذا الإضراب بشموليته يعيد الإعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.

صحيح أن القوى السياسية تتحمل قسطاً من المسؤولية في عدم تظهيرها وشرحها للهدف من هذا الإضراب وما هي المعاني والدروس التي يجب ان تتحقق ويبنى عليها مستقبلاً ، ولكن لا يجوز ولا يحق لنا النظر للإضراب من منظور الجهوية والمناطقية بل ضمن منظور وطني عام. وما تحقق من نجاح لهذا الإضراب الشامل، يدفعنا الى ان نبني عليه في التفكير الجدي والعميق، بأن لا يكون هذا الإضراب يتيماً او موسمياً، بل يجب ان نبني خطة عمل مشتركة ومتكاملة، وأن نرسم برنامجاً سياسياً يقوم على الصمود والتصدي للمشروع الصهيوني..ولا بديل عن تعزيز العمل الشعبي والمبادرات الشعبية، فأنا في اعتقادي بان الفصائل بمختلف مركباتها السياسية كفت عن ان تكون رافعة او حتى حاضنة للأعمال الشعبية والتحركات والهبات الشعبية والجماهيرية، ولنا في الهبات المتتالية التي حدثت في مدينة القدس منذ هبة الشهيد الفتى محمد أبو خضير في 2 تموز /2014 وحتى هبة باب الأسباط ومعركة البوابات الألكترونية على بوابات الأقصى في تموز/2017 خير شاهد ومثال، حيث لم تنجح الفصائل والقوى السياسية بأن تكون قائداً لتلك الهبات، ولم تنجح في تأطيرها وتنظيمها، ووضع هدف ناظم لها، ولم تعمل على تطويرها بأفق وإتجاه ان تتحول الى هبة او انتفاضة شعبية شاملة، بل بقيت تراوح في الإطار المحلي، وحكمتها العفوية.

ولذلك وجدنا أن المحتل الذي سعى الى الزج بثقله العسكري والمخابراتي، عمد الى تحطيم النواة الصلبة لهذه الهبات الشعبية المتلاحقة، واستطاع ان يحقق نجاحات في هذا الجانب، فأغلب العمليات التي حدثت كان يغلب عليها الطابع الفردي، أو كما يسميه الاحتلال " الذئب المفرد"، وأقتصر دور القوى والأحزاب على المباركة والتهنئة والتأييد، وكانت خارج الإطار الرسمي للقوى والفصائل وخارج إطار السلطة المكبلة والمثقلة بإلتزامات أوسلو، غير القادرة على التحرر منها، رغم انها، والمقصود هنا المراجعة الشاملة لعلاقاتها الأمنية والسياسية والإقتصادية مع دولة الاحتلال ( التنسيق الأمني، سحب الإعتراف بدولة الاحتلال ووقف العمل بإتفاقية باريس، البرتوكول الاقتصادي)، وكذلك لجهة تعريف السلطة ودورها ووظائفها والتزاماتها، رغم صدور قرارات ملزمة من المجلسين المركزي والوطني لتطبيق هذه القرارات.

عندما ننظر لهذا القانون العنصري وتداعياته ومخاطره على شعبنا الفلسطيني، نجد أنه يشكل إعلان حرب شاملة على شعبنا الفلسطيني، وتعدياً على حقوقنا القومية والفردية، فعلى سبيل المثال لا الحصر هذا القانون يتيح لليهود إقامة المدن والبلدات، وبالمقابل يمنع ذلك على أبناء شعبنا الفلسطيني، كما يحصر حق تقرير المصير والحقوق السياسية الجماعية باليهود دون غيرهم.

صحيح بأن الممارسات العنصرية ضد شعبنا الفلسطيني، لها تاريخ طويل وهي نتاج لقرارات وقوانين وتشريعات جرى إقرارها من قبل دولة الاحتلال ضد شعبنا الفلسطيني، ولكن قانون أساس القومية الصهيوني شرعن" وقونن" ومأسس التميز العنصري و"الأبارتهايد " ضد شعبنا الفلسطيني، ويريد أن يقصيه ويغيبه عن الوجود، وينفي عنه صفة الشعب والعلاقة بأرضه ووطنه، والتعامل معه على أساس أنه مجموعات سكانية.

نحن أمام قانون عنصري خطير، يريد للشعب الفلسطيني أن يختفي ويتبخر، وأعتقد من صاغوه وأقروه، بأن شعبنا، يشبه الهنود الحمر الذين جرى قبل ثلاثمائة عام ابادتهم في أبشع عملية تطهير عرقي من قبل الأمريكان، دعاة الحرية والديمقراطية ...!!، ولذلك فإن المواجهة لمثل هذا القانون العنصري المستهدف للشعب الفلسطيني وكل مركبات وتعبيرات وجوده.....يجب أن تكون شمولية من كل أبناء الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة وخارجها، ومن هنا فالتوافق الذي حصل بإعلان الإضراب الشامل في كل فلسطين التاريخية، شكل خطوة متقدمة في بث الروح الوطنية الجماعية عند شعبنا، وأعاد الإعتبار لوحدتنا ومشروعنا الوطني، ويمكن لمن يريد أن يبني ويستثمر في هذا الإضراب، بأن يمنع تحوله بان يكون موسمياً او إضراباً يتيماً...بل يبني ويراكم عليه، لكي يكون رافعه لأنشطة وفعاليات مشتركة متعددة مستقبلاً، وان يسهم في وضع خطط عملية مشتركة ومتكاملة، وان نرسم استراتيجية فلسطينية ذات بعد شمولي.

وإعلان الإضراب بشموليته، لا يعني بأن لا تكون هناك أنشطة وفعاليات متعددة مترافقة معه، ولا اظن بأن الاحتلال الجاثم على صدورنا منذ سبعين عاماً تتوقف مقارعته، أو ان الإضراب، سيكون عائقاً أمام عملية التحرير او التصدي للمستوطنين والمتطرفين وإنفلاتهم وعربداتهم في القدس والأقصى، فإنفلات المستوطنين العنصري وعربداتهم، ليست مقتصرة على هذا اليوم، والقدس ليست وحدها مستباحة، فكل الوطن مستباح من أقصى شماله الى أقصى جنوبه...ولذلك علينا ان لا نستمر في جلد ذاتنا بشكل مستمر، بل لا بد من مغادرة الندب والبكاء، فالساحة رحبة لكل أشكال العمل وأي عمل يقربنا من تحقيق اهدافنا بالحرية والإستقلال ويعتقنا من الاحتلال بالضرورة ان نبني عليه ونطوره، ونخطو به نحو الأمام.

نقلا عن صحيفة القدس