النجاح الإخباري - مصطفى السعيد - الوضع الميداني بين سوريا وإسرائيل يزداد تعقيدا، فلا سوريا قادرة على إيقاف الغارات الإسرائيلية التي تتسارع وتيرتها وتتسع مساحتها، ولا إسرائيل يمكن أن توقف ما تراه خطرا سوريا قادما، بعد نجاح الجيش السوري وحلفائه في دحر الجماعات المسلحة، واكتساب الجيش السوري خبرة ميدانية كبيرة، خاصة مع الشروع في إعادة تسليحه من جانب روسيا وإيران، بالإضافة إلى وجود جماعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش السوري من حزب الله اللبناني والعراق وإيران، والأخطر في نظر إسرائيل هو أن الحدود البرية أصبحت مفتوحة بين سوريا والعراق وإيران لأول مرة منذ عقود طويلة، وهو ما يوفر لسوريا عمقا استراتيجيا مهما.

لم تفلح الجهود العسكرية الأمريكية في إغلاق الحدود السورية العراقية، وفشلت أكثر من محاولة، وإن كانت قد ضيقت المساحة المفتوحة من الحدود، لتكون محصورة بين قاعدة التنف الأمريكية في الجنوب الشرقي وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة بقواعد عسكرية أمريكية صغيرة شرق الفرات، كما لم تفلح الوساطة الروسية في تحقيق المطلب الإسرائيلي الأمريكي بإخراج القوات الداعمة لسوريا، وإن كانت قد حققت نجاحا محدودا بإبعادها عن الجولان السوري المحتل، وهو ما سمح بتقدم الجيش السوري والسيطرة على المناطق المحتلة من الجماعات المسلحة في درعا والقنيطرة وكل المناطق المتاخمة للجولان.

لم تعد إسرائيل تأمل في تقسيم سوريا أو إعادة سيطرة المسلحين عليها، أو أن تتمكن المعارضة السورية المقربة من واشنطن من المشاركة في السلطة، فقد تبددت هذه الاحتمالات مع انتصارات الجيش السوري وسيطرته على معظم الجغرافيا السورية، لكنها تريد ألا تكون سوريا دولة قوية وقادرة على تهديد الأمن الإسرائيلي، وأن تخرج كل القوات الحليفة لسوريا، ولا تجد وسيلة لتحقيق ذلك إلا بشن الغارات على ما تعتقد أنها مواقع جديدة لصواريخ أرض أرض، أو مواقع تشتبه أن بها قوات حليفة لسوريا، والمبرر الذي تجده إسرائيل مقبولا أنها تضرب القوافل والمواقع التي تمد حزب الله في لبنان بأسلحة متقدمة، لكن يظل السؤال: هل تستطيع الغارات الإسرائيلية أن تمنع إعادة تسليح الجيش السوري وبناء قواعد ومخازن ومصانع للصواريخ الدقيقة الآتية من إيران؟ وهل ستظل سوريا عاجزة عن الرد على الغارات الإسرائيلية التي تتوسع شرقا وغربا وتزداد كثافتها؟

الإجابة بالنفي في كلتا الحالتين، فلا الغارات الإسرائيلية ستمنع إمدادات وتصنيع الصواريخ، ولا سوريا ستتحمل طويلا الغارات الإسرائيلية، فالمعادلة السورية هي أنها تواجه عشرات آلاف المسلحين في إدلب وقوات كردية وقواعد أمريكية في شرق الفرات، وأولوياتها هي استعادة إدلب أولا، ثم استعادة شرق الفرات وإجبار القوات الأمريكية على الانسحاب، سواء بالجهود السياسية أو العمليات العسكرية، ودمج القوات الكردية في الجيش السوري أو تفكيكها في إطار تسوية داخلية، وبعدها ستكون جاهزة للرد المناسب على إسرائيل. الوقت ليس في مصلحة إسرائيل، فاستعادة سوريا السيطرة على إدلب أصبحت قريبة، سواء بالتسويات أو الحرب أو الاثنين معا، والقوات الأمريكية شرق الفرات ليست في حالة مريحة، فالعدد لا يتجاوز بضعة آلاف، ولا خطوط إمداد إلا بالطائرات، ويحيطها الأعداء من العراق في الشرق إلى سوريا وحلفائها في الجنوب والغرب، وتركيا المتوجسة من الوجود الأمريكي في الشمال.

ولهذا تتعجل إسرائيل والولايات المتحدة إيجاد حل يضمن أمن إسرائيل، ويمنع إيران من توسيع نفوذها، ولهذا سترفع درجة الضغوط الاقتصادية على إيران إلى حدودها القصوى، مع التلويح الجدي بمشاركة أمريكية وبريطانية وفرنسية مع إسرائيل في توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا تحت غطاء غبار الحرب في إدلب، والإتهامات المسبقة باستخدام أسلحة كيماوية، أما سيناريو حرب مباشرة وطويلة بين سوريا وإسرائيل فهو مستبعد، فلن يستطيع أي منهما كسب الحرب، وستكون الخسائر جسيمة على الجانبين، ولهذا تفضل إسرائيل والولايات المتحدة إما حروب الوكالة، واختراق الداخل السوري وزعزعة الاستقرار، وربما استخدام ورقة المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري لتكون أدوات الضغط المناسبة، مع استمرار محاولات تعزيز النفوذ الأمريكى في العراق، وتكثيف كل أشكال الضغط على إيران.

أما روسيا فتحاول عدم الانخراط في الصراع السوري الإسرائيلي، والاكتفاء بدورها في دعم سوريا ضد الجماعات المسلحة، ولأنها فشلت في الضغط على إيران للخروج من سوريا مع حلفائها، فقد توصلت إلى اتفاق مع إسرائيل يسمح لها بضرب القوات الحليفة لسوريا، لكن من الصعب على روسيا التحكم في أهداف إسرائيل، ولا حجم الدعم الإيراني إلى سوريا، ولا تبدو روسيا قادرة على مواصلة دور الإطفائي بين قوتين لا يبدو أن أيا منهما مستعد للقبول بالأخرى، ولهذا من المرجح أن تستمر حالة عدم الاستقرار والحروب الصغيرة، انتظارا لمتغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية تفتح صفحة جديدة في التاريخ.

...عن "الأهرام" المصرية