النجاح الإخباري - باسم برهوم - بعد ان ينقشع الغبار، الذي اثاره قرار ترامب وعملية تنفيذ هذا القرار، سيعود نتنياهو لنفسه، ويكتشف ان النشوة التي اجتاحته واجتاحت حكومته هي ليست كذلك على أرض الواقع. اعتقد نتنياهو ان الصهيونية قد حققت نصراً مبيناً، ولكن ما يبدو على الارض هو انه لا يزال يواجه شعباً فلسطينياً عصي على الانكسار، وان جذوة مقاومته للمشروع الصهيوني لم تتراجع بل على العكس من ذلك هي في ازدياد جيلاً بعد جيل.

بعد انقشاع الغبار، غبار ترامب، سيكتشف نتنياهو أن مأزقه ومأزق اسرائيل والصهيونية هو أعمق اليوم من أي وقت مضى، لأنه امام واقع سيقوده الى دولة واحدة ثنائية القومية، دولة عنصرية غير ديمقراطية، وسيكتشف انه امام شعب فلسطيني صامد وثابت على ارضه متمسك بحقوقه الاساسية ولن يتزحزح عنها، وهي حقه بالعودة وتقرير المصير واستقلاله الوطني. هذا الامر يعني باختصار ان جوهر الصراع ومعادلته الاساسية لم تتبدل، هناك مخطط صهيوني، وصهيونية محظيه بالدعم الدولي، وبالمقابل هناك شعب فلسطيني يقاوم ولن يتوقف عن المقاومة حتى ينال حقوقه.

للوهلة الاولى يبدو ان من حق نتنياهو ان يشعر بالنشوة، بل وبالنصر، فالصهيونية العالمية احكمت اليوم، مع وجود ادارة ترامب قبضتها على البيت الابيض تماماً، وانها باتت تتحكم بقراره، ومن يتحكم بقرار البيت الابيض ، فهو عملياً يتحكم بالقرار الدولي ان لم يكن كله فمعظمه، فمشهد العلاقة بين ترامب ونتنياهو هو كمشهد المارد او الجن في حكايتنا الشعبية " شوبيك لوبيك عبدك بين ايديك"، لذلك يشعر نتنياهو وحكومته اليمينية الصهيونية  بالنشوة.

ترجمة ذلك كله على الشعب الفلسطيني هي بالتأكيد ظلم ومزيد من الظلم، ولكن دعونا نتذكر، ان المارد الاستعماري الامبريالي كان دائماً في خدمة الصهيونية، لأن هذا المشروع بالأساس هو مشروعهم، وهو لخدمة اهدافهم،  وان بدا انه لخدمة اليهود في العالم. الم يكن وعد بلفور عام 1917 هو كذلك.. الم يكن تنفيذ بريطانيا والاستعمار العالمي لهذا الوعد فيما بعد  على ارض فلسطين هو كذلك. كما ان  قرار تقسيم فلسطين رقم "181" عام 1947 واقامة دولة اسرائيل الم يكن كذلك أيضاً، وبعد ذلك جاء  شطب فلسطين وشعبها عن خارطة الشرق الاوسط تماماً عام 1948 هو امر لا يختلف عن ما يجري مع المارد ترامب اليوم ، وهو تحقيق الامبريالي لاماني الصهيونية.

وللتذكير، فإن الدولتين الاعظم في حينه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وبرغم الاختلاف في جوهر النظامين الرأسمالي والاشتراكي، كانتا اول من اعترف بدولة اسرائيل عندما اعلن عن قيامها بن غوريون في 15 ايار 1948،  ونذكر ايضا ألم  يمنع القرار الدولي ومعه المتواطئين من بعض الانظمة العربية، الحاج امين الحسيني من اعلان الدولة على ما تبقى من ارض فلسطين في محاولة  منه لإبقاء الشعب الفلسطيني وفلسطين على الخارطة.

لذلك فإن كل ما يجري اليوم ليس جديداً، ولكن بالمقابل، مقابل هذا الظلم، وهذا المشروع الصهيوني  الاميركي، مقابل كل ذلك بقي الشعب الفلسطيني صامدا على ارضه متمسكاً بها وبحقوقه، هذه الحقيقة لم يستطع احد طمسها ، واليوم وبالرغم من الظلمة الحالكة فإن النور لا يزال يسطع في نهاية النفق، وهو نور يصنعه نضال وكفاح الشعب الفلسطيني ودماء شهدائه، وكما نرى نحن النور في نهاية النفق، فإن نتنياهو، وبعد زوال النشوة، سيرى ان حقيقة الصراع لم تتغير، وان عليه ان يتعامل مجدداً مع الشعب الفلسطيني ليخرج من مأزقه.