النجاح الإخباري - مظفر عتيق - لم تنسَ الأعين العربية مشهد دخول الآليات العسكرية الأميركية إلى وسط العاصمة العراقية بغداد ببردٍ وسلام، في مشهدٍ ماثل دخول الحلفاء إلى برلين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط ضحكات بعضها وبكاء أخريات.

تخوفَ محللون كثر من حصول شيءٍ مشابه في بدايات الربيع العربي؛ كدخول الناتو إلى طرابلس ودمشق، العاصمتان اللتان صيرت فيهما الثورة إلى التسلح، ليعود الحديث ذاته بعد توجيه الضربة الثلاثية لدمشق، متناسين أن روسيا تضرب يومياً وإيران وحزب الله يسرحان ويمرحان.

منذ بدايات الأحداث في درعا كان الوصف لما يحدث، تبعاً لمناصري النظام، "المؤامرة الكونية" على "محور المقاومة والممانعة"، وأن الهدف في سوريا ليس كتونس ومصر وليبيا واليمن، أي ليس إزالةً لإحدى "جمهوريات الخوف" وأنظمة الضباط، إنما تدميرُ القوة العسكرية للنظام، والتي تعد بنظرهم مخيفةً لـ"إسرائيل". هذا من ناحية، أما الأخرى فهناك مكاسبٌ لكل من مد يده في سوريا، فلم يدخل أحدٌ لدحر النظام فحسب، بل لتمكين أطماعه.

فكرة "إخافة إسرائيل" لننحيها جانباً مؤقتاً ثم نعود إليها، أما قصة المكاسب فهذه صحيحةٌ تماماً، بغض النظر عن وضوح المعالم أو غموضها؛ فليس هناك من دخل وهو يريد مناصرةَ الحق (من وجهة نظره طبعاً)، إنما لمشاريع سياسية واقتصادية، وكلٌ يغني على ليلاه.

بالتأكيد فكرة التدخل للمصالح الذاتية ليست حصراً على جهة، أي بمعنى أن من دخل ضد النظام أتى لمكاسبه، كالخليج وتركيا والغرب، وكذلك من دخل ضد المعارضة أتى لمنافعه، كروسيا وإيران وحزب الله. ومن يظن أن أي أحدٍ يضحي بقرش أو قطرة دم من أجل المبادئ ومناصرة المظلوم فعندها كما يقول مظفر النواب "ليراجع قدرته العقلية".

يقول مؤيدو النظام إن من دخل إلى جانبه أتى بناءً على طلبه وبتنسيقٍ رسمي منه، وليس اعتباطاً وفرضاً للغطرسة. ربما هذا صحيح، ولكن ما النتائج البعيدة المدى؟ من سيحكم البلد لو أعاد النظام بسط نفوذه على كامل التراب السوري؟ ألن تكون حميميم قطعةً من موسكو والقرارات السياسة تحت تأثير طهران؟ لم تضحي الاثنتان من أجل حليفٍ لهما فحسب، سفه نفسه من ظن أن في السياسة شيءٌ يسمى "إحقاق الحق ونصرته".

القصة قصة مبدأ، لا من يضرب من وبتنسيقٍ مع من؛ فعندما خرجت الجماهير لإسقاط النظام (كوجهة نظر المعارضة) كان الهدف الحرية والكرامة والانعتاق من رجعية الحكام العرب، وعندما خرج الجيش لرد "المتمردين" (كوجهة نظر النظام) كان الهدف منع "المؤامرة" وتدخل أطرافٍ خارجية في سوريا.

في كلتا الحالتين هناك اتفاقٌ على إسقاط أي تدخلٍ أجنبي في الوطن العربي كله، ولهذا، من هلل لدخول حزب الله أولاً ثم إيران وروسيا، يتساوى تماماً بالذي بارك إقحام الخليج وتركيا ولاحقاً الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا نفسها في المشهد، فكلها لديها مشاريع استعمارية واستغلالية في الوطن العربي.

ليس لأي عربي أن يمدح أياً من الطرفين؛ فكلاهما تلخطت أيديهما بالدم العربي، أما إنهاء الصراع فكان يجب أن ينتهي بيننا نحن العرب دون تدخلٍ أجنبي، أو حتى دون تدخلٍ عربي (من أجل أن نشمل الخليج)، وترك النظام والمعارضة ينهي أحدهما الآخر. بل لو طُبق هذا لما تحولت المعارضة إلى خيار التسلح، ولبقيت سلمية مهما قُتل منها كما حصل في اليمن.

بالطبع يختلف بالرأي هنا أي مؤيدٍ للنظام، أي بخصوص سلمية الاحتجاجات في الأشهر الأولى، خاصةً لو كان متعصباً؛ كونها المحور الرئيس الذي يتغير بإثبات صحته من نفيه كل شيءٍ في المعادلة. وبالمناسبة، المعارضون ليسوا أكثر ديمقراطية وتروٍ في هذا النقاش.

نردك تماماً أن الصراع الذي دخلته الجماهير العربية مؤلمٌ جداً، بعدما انقسمت بين رحيل حاكمٍ وبقائه، لكن ما يحدث حالياً لا يمكن عزله عن المناخ العام لبدايات الربيع العربي، ومن يحاول تفسير بدايات ما وصلنا إليه دون أن يدخل الربيع إلى حساباته فقد ضل سواء السبيل.

قبل نهايات 2010 لم يكن يتخيل أحدٌ أنّ شيئاً كهذا سيحصل، ولم تكن هناك معارضةٌ واسعة للربيع العربي أو أن يصفه أحدٌ حينها بـ"الخريف الأميركي" أو "الإسرائيلي". لكن ما غير ألسن العرب هي سوريا وحدها، ولولا الدوامة والتشابك الرهيب الذي حصل فيها لما ارتدوا عن الثورة العربية ووصفوها بالخراب والتمزيق.

لكن لو عدنا إلى ما قبل ذلك، أكان الحال جيداً؟ أكان هناك عربي يمجد أنظمة إخوة يوسف؟ لقد كانوا هم أنفسهم "عملاء الغرب" وتركة الاستعمار وناهبي الشعوب ومانعي الوحدة ونهج العروبة، لكن فجأة أصبح رحيلهم مؤامرةً غربية لتفكيك المفكك وإرجاعنا إلى الوراء، وكأننا كنّا نسير إلى الأمام!

تستحق الحرية أكثر، إلا لو كنّا نحلم بربيعٍ عربي "خمس نجوم"، ننام ونستيقظ ونجد الحكام قد رحلوا والغرب و"إسرائيل" يستسلمون لإرادتنا دون مقاومة ولا محاولة للالتفاف علينا. إنهم ليسوا بهذا الغباء، الاستقلال العربي من احتلال الأنظمة يحتاج إلى نفسٍ طويل، فعلى قصيري النفس أن يتنحوا جانباً، وأن يدرك الجميع أن وجع ساعة أفضل من وجع كل ساعة.

لا نختلف أن ما يحصل حالياً لا يقرب للثورة في سوريا واليمن وليبيا، إنما هي تصفية مصالح وحسابات بين مختلف الأطراف. لكن بدلاً من أن نشتم الحراك الثوري وأنه من أتى إلينا بهؤلاء، ربما علينا أن نقرأ التاريخ، ونعلم تماماً أن ليس هنالك ثورة تسير بأمان دون أن تخرب وتشوه ويحاول القاصي والداني شيطتنها لتكريه الناس بها.

قلنا أننا سنعود إلى فكرة "إخافة إسرائيل" والممانعة. في البداية هناك من هم ضد النظام قبل أن تقوم الثورة، وليس من المنطق أن يسمى من خرجوا في مظاهرات كسر الخوف بالمدعومين من الخليج، فمن هتف كان يطمح للإطاحة بالأنظمة جمعاء، فلماذا يتهمون بأنهم مناصرين للمعارضة والخليج وتركيا وهم يقفون بجانب الثورة الأصيلة فحسب؟

يقولون إن النظام دعم المقاومة في فلسطين، هذا صحيح، ولكن ليس نصرةً للحق، تماماً كما يدعمه الآن حلفاؤه، وكما يدعم المعارضة من يدعمها. من المهم أن يعي الجميع أن من خرج للثورة كان ذلك لإزالة دكتاتور، رغم معرفته جيداً بدعمه للمقاومة. لكن ليس من المنطق أن نزيل الاحتلال مقابل أن يُحتَل الآخرون أو أن تنتهك كرامتهم. فعندها ما فائدة مما ندعو للقضاء عليه إن كان من يساعد على ذلك مثله أو شبيهاً به؟

لم يدعم أحدهم القضية الفلسطينية من أجل "سواد عينيها"، كلٌ كان لغايته، حتى الصراع في إحدى الأزمنة بين الأردن وسوريا ومصر السعودية حيال "الوصاية" على القضية، نبع من رغبتهم بالسلطة لا بالإنجاز. ثم كيف يصنف النظام بمناصرٍ للقضية وهناك حكايتان مغيبتان عن الذكر، الأولى تل الزعتر والثانية عبد المجيد زغموط، وهاتان تحتاجان إلى صفحاتٍ مطولة للشرح والحديث.

ثم ماذا عن الفساد الإداري والرشوات والمخابرات الخانقة باسم العروبة والقومية واحتكار الحكم؟ وماذا عن الدراما السورية التي صورت حكم العسكر والنظام القمعي البوليسي على أشده؟ ولنا في مسرحيات دريد لحام ومسلسل مرايا العبرة العظيمة.

الوضع الاقتصادي الجيد ليس حكراً على سوريا قبل الثورة، إنه مماثل في أماكن عربية أخرى، على الأقل ليس هنالك فارقٌ شاسعٌ بينهم. أما عن نظام العروبة وأنه راعي القومية العربية، فلماذا لا يمكن القول أنهم يدعونها وأنها أداة للحكم تماماً كما كان الدين بالنسبة لـ"داعش" الذين يتهمهم النظام باستخدامه؟

بالحديث عن "داعش"، أليس النظام من أخرج قادتها من سجونه مع بداية الأحداث؟ وأنسينا علي عبد الله صالح عندما ترك القاعدة تسيطر على أبين ليقول هؤلاء من سيأتون بدلاً مني؟ ثم لماذا "داعش" سيطرت في أوج اكتساحها على معظم أراضي المعارضة وليس النظام؟ وكيف يحذر النظام من سيطرة المتطرفين في بدايات الأحداث قبل أن تبدأ الفترة المسلحة واكتفاء الناس بسلمية المظاهرات؟ وماذا عن انشقاقات الجيش قبل الدعم الخارجي للثورة وبداية الاشتباكات المسلحة؟

الحديث في سوريا لا يمكن اختزاله أكثر رغم طيلة الكلمات وكثرتها هنا. نعتذر جداً، لكنها أحاديثٌ محبوسة ومكبوتة منذ أكثر من سبع سنوات وانفجرت. الخلاصة، سوريا لا تستحق الاثنين، لا نظامٌ مستبدٌ دموي ولا معارضةٌ تأخذها كلمة وتشدها الأخرى، كلاهما غير مؤتمنٍ على مستقبل البلاد.