علاء الدين أبو زينة - النجاح الإخباري - سواء كان ذلك بالآليات الذاتية أو بترتيب مُبيَّت مُحكم، اجتمعت كل المتناقضات مؤخراً ضد الفلسطينيين ولصالح اسرائيل.

أولاً، تم تحويل الاتجاهات في المنطقة بحيث خرجت اسرائيل من المعادلة الإقليمية باعتبارها التهديد الأخطر للأمن القومي العربي، لصالح صعود التناقض الطائفي والصراع الداخلي-عربي/إسلامي. بل إن المعادلات الجديدة جعلَت اسرائيل حليفاً يستنجد به النظام العربي المأزوم في هذه المعادلة الجديدة.

ولم يَعد العرب النافذون يجدون حرجاً في التحدث علناً عن مبررات هذا التحالف.

وثانياً، عملت مختلف الانشغالات بالمعارك العربية الداخلية والخارجية، على إبعاد فلسطين من عناوين الأخبار الرئيسية ودفعها إلى أسفل، بعيداً عن العَين والقلب.

كل ذلك أهدى جهد تطبيع دولة اسرائيل في المنطقة على حساب فلسطين والفلسطينيين دفعَة أسطورية. وحققت إسرائيل من أزمات النظام العربي الداخلية والخارجية ربحاً صافياً. فإلى جانب أنه أدهى من أن يخوض حروباً نيابة عن العرب –كما ردّ أصواته على محاولة توريطه مؤخراً، فإن كل أطراف المنطقة، من عرب وغيرهم، يخوضون المعارك التي تستفيد منها اسرائيل ونيابة عنها، بالكثير من الحماس والدم -بالحروب الطائفية والتدمير الهائل للمقدَّرات العربية والإسلامية.

ربما كان التطوُّر الوحيد الإيجابي على الجانب الفلسطيني، هو النسخة الأحدث من المصالحة بين «فتح» و«حماس». ولكن، بالإضافة إلى أن سوابق المصالحات التي لم تكن مشجعة، فإن فكرة إتاحة المصالحة أساساً، والوجهات الواضحة لعرّابيها، تثير سؤالاً مهماً: هل أدركت فتح وحماس حقاً حجم المأزق الذي يواجه مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، فضمتا القوى لمقاومة الضغط الوحشي؟، أم أنه أريد ضمهما لضمان أنَّ أي "حل" يُفرض على الفلسطينيين سيُفرض على الجميع، وأنَّ أي توقيع فلسطيني على شيء سيتم بمصادقة الفصيل ثقيل الوزن على الأرض، حماس؟

الآن، أصبح الفلسطينيون مجرَّدين من آخر الدعم العربي الأصيل، وأصبحت رغبة التخلص من عبء القضية بأي ثمن يدفعه الفلسطينيون واضحة تماماً. كما تجرَّد الفلسطينيون –وجُرِّدوا- من عناصر قوتهم الذاتية بأكثر من طريقة.

وأخيراً، أصبحت فلسطين وأهلها في عهدة دونالد ترامب فقط، صاحب المواقف المعروفة. وهو، عهِد بملف فلسطين حصرياً لصهره، جاريد كوشنر، اليهودي المعادي جينياً للفلسطينيين والمنتمي قلباً وقالباً لمشروع اسرائيل. وتم تحييد الأمم المتحدة وأي شيء حميد فعلته أو قد تفعله لفلسطين. وحتى الدعوات إلى نقل ملف حل المسألة الفلسطينية إلى أوروبا بسبب عدم نزاهة وجديَّة أميركا، خفتَت في ضوء أزمات الاتحاد الأوروبي الداخلية والإرهاب العالمي. وأصبح قدَر فلسطين في يدِ الحكَم الذي هو خصمها الواضح والأكيد.

الآن، ينتظر الجميع ما يرتّبه كوشنر لفلسطين. وكما يؤشر السياق المذكور القاتم، فإنَّ من الصعب توقُّع أي خير للفلسطينيين من ترامب وكوشنر. ومن المؤشرات المُنذرة ما كتبه الخبير في شؤون اسرائيل، بِن كاسبيت، في موقع "المونيتور" قبل أيام، من أن الرئيس محمود عباس تلقى رسالة من كوشنر، حول ترتيبات معينة للحل، وتتوقع الولايات المتحدة من الزعيم الفلسطيني أن يرد عليها (مبادرة كوشنر/ ترامب) بشكل إيجابي، و"تعتقد المصادر الدبلوماسية المشاركة في العملية أن المبادرة الأميركية لن ترى النور إلا إذا وافق نتنياهو عليها"، حسب بن كاسبيت.

والأغلب أن يكون المعروض شيئاً غير عملي، وغالباً، سوفَ يُقطع الرابط بين فلسطين ومعظم أهلها، اللاجئين.

ماذا يفعل الفلسطينيون إذا جاؤوهم بما لا يُطاق؟ المهرب الوحيد هو أن لا يُوقِّعوا على شيء لا يفي بحاجاتهم الأساسية. وإذا لزم الأمر، أن لا يتواجد أحد من الفلسطينيين في موقف توقيع شهادة وفاة المشروع الوطني الفلسطيني نيابة عن الفلسطينيين. ففي النهاية، لم يذهب الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين منذ قرون، ولن يكون في الإمكان أسوأ مما كان -إلا التوقيع على التسليم.

... عن «الغد» الأردنية