النجاح الإخباري - د. عاطف ابو سيف - تمر المصالحة الداخلية بمرحلة حرجة بعد الحديث عن تفاهمات ودردشات وثرثرات في القاهرة يسعى أطرافها لتحقيق مصالح مختلفة المؤكد أن ضحيتها هو المشروع الوطني والحلم الكبير.
ليست القصة أن عشر سنوات مرت مثل كابوس، أو أنه تم اكتشاف فداحة الكارثة التي حلت في حزيران 2007 ولا هول المصيبة حين انقسمنا، بالطبع يمكن أن يتم الشعور بكل ذلك قبل أن تقع المصيبة ولم نكن بحاجة لعشر سنوات، ولكن المؤكد أن ثمة محاولات للتكيف مع الوضع الراهن من خلال إجراء بعض التعديلات عليه، تعديلات تجعل استمراره ممكناً. إنه السياق الذي تبدو معه الأشياء مختلفة فيما هي تحتفظ بجوهرها. وجوهر الانقسام الذي لا يمكن إخفاؤه قائم على الفصل بين المنطقتين الجغرافيتين اللتين قال عنهما أحمد دحبور يوماً «الجزء المتاح من أرض الوطن»؛ فهما بكل المقاييس ليستا الوطن برمته. والفصل بين المنطقتين لا ينفي أي فكرة لإقامة الدولة الفلسطينية وفق الصياغات التي هيمنت على الخطاب السياسي الفلسطيني في السنوات الأربعين الماضية والتي تكرست بعد اتفاق أوسلو؛ بل إنه يعكس الحالة الراهنة التي تهيمن على الحراك في الإقليم المؤسَس على تنامي الهويات الفرعية وبروزها على السطح، وتعاظم سياقات اكتمالها على حساب نقصان الهوية الجمعية. وهذا يحدث عندنا بشكل جلي في الحالة الفلسطينية. حتى بات البعض ينزلق ويتحدث عن «فرادة» الحالة «الغزاوية» والخصوصية «الغزاوية» وسينجرف البعض ليتحدث عن تجربة غزة الجديدة كنموذج تمهيدي. ثمة الكثير من الحشو في الخطابات السائدة تساهم في جعل المسموع غير مفهوم. وهي حالة إرباك قد تكون مقصودة بغية إيقاع المتلقي – المواطن - في حيص وبيص.
وتأسيساً فإن ما يجري من دردشات وتفاهمات ليس إلا تعميقا لعملية البحث النهم عن التكيف مع الوضع الراهن واستدامته من خلال ضخ دماء فيه دون تعديله. ثمة بحث عن «مصالحة» اقتصادية. نتنياهو كان من أدخل مصطلح السلام الاقتصادي مقابل الحديث عن السلام المبحوث عنه في الاتفاقيات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. سلام نتنياهو الاقتصادي ارتكز على النظرة التقليدية للمجتمع الدولي قبل أن تصيبه رياح التحول حيث كان يتم النظر للفلسطينيين بوصفهم مجموعة من اللاجئين ضحايا اعتداءات العرب على الدولة الفتية التي بات اسمها إسرائيل، وأن الحلول الاقتصادية وحدها يمكن أن تشكل مخرجاً من حياتهم البائسة. حتى أن البنك الدولي في أولى منشوراته تمهيداً لعملياته الجديدة في المناطق الفلسطينية أطلق على سلسلة دراسات تكشف سبل إنفاق الدعم الخارجي وفق احتياجات السكان عنوان «الاستثمار في السلام». بعبارة أخرى كانت النزعة الاقتصادية التي ترى أن السلام يعني تمتع الناس بحياة كريمة هي المهيمنة على النظرة للسلام.
ثمة استعارة واضحة من نقاش نتنياهو ومن خطابات التدخل الخارجي سابقاً، إذ إن ما يتم السعي له هو محاولات لخلق مقاربات قائمة على سلام مصالحة اقتصادي يحقق كل طرف من أطرافه فيه بعضاً من شهوته. فمن جهة، صاحب المال الذي سيدفعه يريد موطئ قدم له يمكنه من مواصلة مناكفاته لخصومه محاولاً استلاب الأنصار فيما تسعى السلطة القائمة في غزة للاستفادة بأكبر قدر من الأموال المجلوبة خاصة وأنها تمر بضائقة مالية في ظل مواصلة السلطة في رام الله لإجراءاتها وتراجع لمكانة الحلفاء الإقليمية خاصة في الدوحة. وعليه فثمة مصالحة اقتصادية قائمة على مصالح اقتصادية يبدو الوطن بعيداً عنها بعد المصالحة عن الانقسام. وفي استكمال الاستعارة من نتنياهو التي يقوم بها البعض فإن لا سياسة في المصالحة، ولا حديث عن تطلعات وطنية ولا ما يحزنون.
نزع الدسم السياسي عن عملية المصالحة يعني عدم تحقيق المصالحة بل توافق المصالح. فالمصالحة الحقيقية تعني أشياء كثيرة أبعد من وقود لمحطة التوليد أو المزيد من الكوبونات الإماراتية. فالسلطة لم تتوقف يوماً عن ضخ الأموال في غزة من رصف الشوارع وبناء المؤسسات الخدمية ومحطات التحلية ورعاية شركة الكهرباء ومشاريع دعم البلديات وبرامج خلق فرص عمل. ويمكن بجردة حساب صغيرة أن يكتشف المراقب أن «حماس» لم تكن تصرف شيئاً على غزة أكثر من رواتب موظفيها ومصاريفها الجارية. لكن أيضاً السلطة لم تكن ترى في هذا التدخل مدخلاً لفرض مصالحة من نوع ما. وربما يلومها أنصارها في ذلك، إذ إن الكثيرين يرون في ما كانت تقوم به خطأ حيث كان يجب تحميل سلطة الأمر الواقع مسؤولية كل شيء.
الأمر ببساطة أن القصة ليست خدمات ولا كوبونات يتم توزيعها، ولا هي شوارع يتم رصفها. القصة سياسية بامتياز. لأن سؤال المصالحة الحقيقي يتعلق بالمستقبل الوطني وبالمشروع السياسي. السؤال الكبير حول ماذا نريد نحن الفلسطينيين؟ هل حقاً نريد دولة؟ وكيف نحقق ذلك؟ كما أن المصالحة المجتمعية ليست «ديّات» يتم دفعها لأهالي شهداء الانقلاب فهم لا يريدون مالاً، وبعضهم كان يمكن له أن يقبل منذ البداية مثل هذه الديّات، بل هم يريدون مصالحة مجتمعية حقيقية قائمة على تفاهمات وطنية شاملة. ثمة من يجب أن يقول: لقد أخطأت ولم يكن علي أن أفعل هذا. يريد أهالي الشهداء أن يعرفوا أن دماء أبنائهم لم تذهب سدى وأن بعض الجناة لا بد أن يقدموا للمحكمة. هناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن «العدل الانتقالي» الذي تم تطبيقه في الكثير من البلدان في أميركا اللاتينية وإفريقيا بعد انتهاء الصراعات الداخلية. فالأمر ليس مجرد «اجي على بالي» وأن ثمة فرصة مواتية لتحقيق المصالح والأهواء.
فأزمة قطاع غزة ليست إنسانية كما أن القضية الفلسطينية ليست أزمة إنسانية كما يرغب نتنياهو، بل هي أزمة سياسية. فقطاع غزة جزء أساس من المشروع الوطني ولا يجب تركه وحيداً يواجه مصيره ككتلة منفصلة. وعليه فالحلول لا يمكن أن تكون اقتصادية باتفاق السلطة القائمة في غزة مع شركة غير ربحية أو رجالات أعمال، بل بعودة المصالحة إلى قضبان السكة الحقيقية، حيث يتم فتح حوار وطني شامل على كافة التفاصيل. حوار يسعى قطباه إلى إخراج البلاد من حالتها الصعبة والبحث عن شعاع الشمس بين الغيمات الكثيفة التي تلف المنطقة.